السيد محمد الصدر

36

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وهنا خطوةٌ أُخرى ، وهي خطوةٌ رئيسةٌ في سياق الآية لا يمكن التغاضي عنها ، أعني : ارتباط المعنى ، أي : في كيفيّة ربط ( حقّت ) ب - ( أذنت ) ، وإلى أيّ مقدارٍ ارتبطت بأذنت ، أم هما متباينان ، بمعنى : أنَّها أذنت في قرنٍ من القرون ، وحقّت في قرنٍ آخر ؟ ففي ذلك توجد أُطروحتان رئيستان : الأُطروحة الأُولى : عدم الارتباط ، وأنَّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو حصول الأمرين معاً أو حصول الأمرين متتابعين ، ليس أكثر من ذلك ، ومن هنا لا حاجة إلى ربط أحدهما بالآخر . الأُطروحة الثانية : وجود الارتباط ، وأنَّها ( حقّت ) لأجل أنَّها أذنت لربّها ، ومن هنا نكون مسؤولين عن إبداء بعض الأُطروحات لتفسير ذلك : الأُطروحة الأُولى : أنَّها أمرت أن تكون حقّاً ، فكانت كذلك ، ولا يوجد في الآية ذكرٌ لكيفيّة الأمر ، وإنَّما ذكرت أنَّها أمرت فحقّت ، ولكن بأي شيءٍ أمرت ؟ فهنا نقول : إنَّها أمرت بأن تحقّ فحقّت ، وبأن تكون حقّاً فأصبحت حقّاً . إلّا أنَّ هذا الأمر يختلف : إمّا بالأمر التكويني ، بمعنى : أنَّها ( أمرت ) بأن تصبح حقّاً فأصبحت حقّاً ، وإمّا بالأمر التشريعي ، إذا كانت عاقلةً أو مدركةً ، كما في ( صلِّ ) . وكذلك يوجد هنا شيءٌ آخر ، وهو أنَّها أمرت بمقدّمة ذلك ، وبشيءٍ يؤدّي بها إلى أن تكون حقّاً ، لا بمعنى : أنَّها من قبيل أن يؤمر الفرد بالطاعة والصلاة والصيام لأجل أن يؤدّي به إلى التكامل والوصول إلى مقاماتٍ عاليةٍ ، فأمرت بذلك ، فلمّا أمرت أطاعت ، وإنَّما حقّت نتيجةً لطاعتها ، أي : ( حقّت ) لأنَّها أصبحت حقّاً ، وهذا من كمالها . وأمّا عن طبيعة العمل الذي أدّته بعد الأمر فلا علم لنا بذلك .